كان كاظم الساهر أذكى من ان يزج بنفسه في المشكلة التي نشبت بين العملاقين نزار قباني وعبد الوهاب البياتي.
كان نزار قباني جالسا في غرفته مطرقا حزينا حين دخل كاظم الساهر عليه، وما ان رآه نزار حتى بادره بالشكوى قائلا: - هل قرأت يا كاظم ما قاله عني الشاعر عبد الوهاب البياتي في جرائد اليوم؟
- لا.. لم يطلعني عليها أحد، ماذا قال؟!
- قال ان كاظم أحال النحاس الى ذهب بأغنية زيديني عشقا.
أجابه كاظم:
- يا أستاذ نزار، ان شعرك ذهب خالص ونقي حتى قبل ان يولد كاظم الساهر، وأظن، بل متيقن ان الشاعر البياتي يعلم هذا قبل غيره، وهل تخفى عليك شخصية البياتي ومزاجه.
لم يكن نزار قباني الهدف الوحيد لسهام البياتي! كانت اهدافه كثيرة ومتعددة من الشعراء والشاعرات، بدأت ببدر شاكر السياب الذي لم يرحمه حتى وهو في محنة الفاقة والعوز والجوع والتشرد، بل حتى وهو مريض ومشلول على سرير المرض في المستشفى الاميري بالكويت. ومات بدر شاكر السياب والبياتي لم ينقطع عن الاساءات إليه.
وأساء بعد ذلك الى لميعة عباس عمارة، ومحمد مهدي الجواهري، ونازك الملائكة، وحسين مردان، وخالد الشواف، وعبد الرزاق عبد الواحد، ومحمد مفتاح الفيتوري..
قال عنه الشاعر عدنان الصائغ: البياتي لا يحب إلا شخصه ولا يستعذب الا شعره، ولا يصغي إلا لكلماته.
وأساء بعد ذلك الى لميعة عباس عمارة، ومحمد مهدي الجواهري، ونازك الملائكة، وحسين مردان، وخالد الشواف، وعبد الرزاق عبد الواحد، ومحمد مفتاح الفيتوري..
قال عنه الشاعر عدنان الصائغ: البياتي لا يحب إلا شخصه ولا يستعذب الا شعره، ولا يصغي إلا لكلماته.
في أحد المجالس الأدبية التي أقامها عبد الوهاب البياتي لتكريم الأديب عدنان الصائغ، سأله أحد الحاضرين عن الشاعر نزار قباني، فانتفض البياتي وقال وقد ارتسم على وجهه استغراب شديد:
- هل قلت (الشاعر) نزار قباني؟!
فأجاب السائل وهو مستغرب أكثر منه:
- نعم، قلت الشاعر نزار قباني، ما المشكلة في ذلك؟!
فقال البياتي:
- المشكلة انك قلت الشاعر نزار، ونزار ليس بشاعر، فلولا كاظم الساهر لبقي نزار مغمورا لا يعرفه أحد.
ارتفع الضجيج بين الجمهور مستهجنا ومحتجا على هذا الكلام، فطلب البياتي منهم السكوت وقال ليؤكد قوله:
- معنا اليوم (الدكتور عدنان الصائغ)، وهو كما تعلمون حجة في اللغة، لنسأله الآن عن الغلط المعيب والمخزي الذي وقع فيه نزار قباني حين قال: (زيديني حبا زيديني). يا عدنان الصائغ، قل لهم: هل يجوز في اللغة العربية السليمة استعمال مفردة زيديني؟!
ففاجأه الصائغ باجابته:
- نعم.. يجوز.
كان جواب الصائغ صدمة حقيقية للبياتي، ظل مبهوتا يحدق بالصائغ الذي واصل تأكيده له وللحضور ان ذلك جائز تماما في اللغة العربية، وأعطى أمثلة عديدة على ذلك. فاكفهر وجه البياتي، وشعر بالاحراج والخذلان من شخص أحضره الى هذا المكان من أجل تكريمه فاذا به يخذله أمام الجمهور.
وفي (مهرجان الأمة الشعري) الذي اقيم في بغداد، كان عبد الوهاب البياتي واقفا مع ابنته أسماء التي كان عمرها لا يتجاوز 12 عاما. فمرّ به نزار قباني، وتبادل معه التحية، ثم نظر الى أسماء ابنته وأحب ان يلاطفها فسألها:
- يا أسماء، هل تقرأين شعري؟
- نعم يا استاذ نزار، أنا أقرأ شعرك.
- ايهما أجمل يا أسماء، شعري ام شعر بابا؟
فأجابت أسماء:
- أحب شعرك أكثر.
لم يكن القباني يتوقع هذا الجواب من ابنة البياتي، ولكنه شعر بنشوة النصر ولذته، إلا ان البياتي قال مستهزئا:
- هذا شيء طبيعي، فمعظم جمهورك من المراهقات.
كان البياتي يغضب كلما سمع كاظم الساهر يغني من شعر القباني، وطلب مرة من نادل احد المقاهي في الأردن تغيير شريط المسجل والا فانه سيضطر لمغادرة المكان، فغيروا الشريط من أجله، فهو من الزبائن الذين لا ينقطعون عن الحضور الى هذا المكان، وكان يحيط به الكثير من عشاق الشعر. وذات مرة كان البياتي جالسا في (كاليري فينيق) في العاصمة الاردنية عمان، وإذا بكاظم الساهر يدخل هو وبعض أصدقائه، وتوجه الى البياتي مباشرة، حياه وجلس الى مائدته، وتبادل معه حديث قصير ثم أهداه شريط من أشرطته الجديدة. وبعد ان انصرف كاظم سأل البياتي الشباب المحيطين به:
- (منو هذا الولد؟)
لكن أحد الحضور أجابه إجابة أحرجته، قال له:
- هذا الولد في الحقيقة أشهر منك.
فضحك الجميع مستحسنين ردّ زميلهم، واضطر البياتي ان يضحك معهم.
وفي جلسة أخرى في كاليري الفينيق، وكان يلتف حول الشاعر البياتي بعض المتأدبين وطلاب الشعر، كان كلما يذكر أحد الحاضرين اسم شاعر من الشعراء يستهزئ به البياتي وينتقص منه، وكان الكل صامتين، ففي حضرة البياتي لا يمكن لأحد ان يبدي رأيا مخالفا لرأيه، وكان يغادر مجالس مهمة لمجرد ان شخصا مدح شاعرا من الشعراء في حضرته. ويبدو ان أحدهم لم يفهم البياتي جيدا فاعترض على رأيه في أحد الشعراء، الأمر الذي أغضبه بشدة وصرخ بوجهه بقصد طرده من المكان:
- من انت؟ ومن سمح لك بالدخول وبالجلوس هنا؟
فأجابه المعترض بخجل وارتباك انه جاء مع الأديب فلان ليستمع لك ويستفيد منك، فدمدم البياتي بصوت مسموع وقال جملة كان يكررها كثيرا، وأنا استحي من ذكرها هنا.
يكاد ان يكون البياتي هو المتكلم الوحيد في مجالسه، كان الطلاب يحرصون على حضور تلك المجالس لأجل الفائدة الأدبية. والحقيقة ان البياتي أخذ ينتابه شعور بالتعب والضيق والتبرم بالحياة بعد وفاة ابنته نادية عام 1991 في امريكا، وكان بعيدا عنها، فغادر بغداد واستقر في عَمّان وصار يجلس كل مساء في كاليري الفينيق. ان البياتي شاعر عظيم، ولا يمكن ان نقول عنه اقل من ذلك .
وللحديث بقية.
كتابة حسين جبار
jabbarhussein7@gmail.com


